ليس للعبد أن يشكو ربَّه

قال سماحة المرجع الديني

آية الله الفقيه

السيد حسين السيد إسماعيل الصدر

دام ظله

في شرح الروابة المباركة 

في كتابه (مع الصدر في الأربعين حديثاً)

ضمن مجموعة الأربعون حديثاً (المجموعة الأولى):-

         عن الإمامين محمَّد الباقر وجعفر الصادق (عليهما السلام) في وصف آخر الزمان:-

(يَكُوْنُ الْعَبْدُ فِيْهِ، يَشْكُو مِنْ رَبِّهِ.. فقيل:- كيف ذلك؟.. قال الإمام:- يَقُوْلُ الْعَبْدُ: لَمْ أُرْزَقَ الْيَوْمَ بِشَيءٍ وَلَمْ آكُلْ الْيَوْمَ شَيْئَاً، فبهذا القول كأنّه يشكو الله)

       المؤمن -دائماً- يعيش حالة الرضا، المؤمن -دائماً- يعيش حالة القناعة، المؤمن يعيش -دائماً- حالة الانصياع للهI والقبول الكامل بكل قضاء اللهI.. فلا يمكن أن تكون الشكوى من اللهI.. وبعد ذلك إذا كانت -والعياذ بالله- الشكوى من الله، لمن يشكوها؟!.. يشكوها إليه وهي منه؟!..

      فليس للعبد أن يشكو الله.. وليس للعبد إلاّ أن يلتفت دائماً إلى حقيقة العبودية، الطاعة، الرضا، التسليم الكامل في علاقته مع الله.

     لأنّ الإنسان المؤمن هو الذي لابد أن يكون -دائماً- عبداً مطيعاً للهI.. شاعراً بعبوديته لله.. مسلِّماً أمره للهI.. يعيش حالة الإنصياع والإقبال والرضا في علاقته مع اللهI.. فلا يمكن أن يشكو من اللهI.. ولا يشكو من نِعَم اللهI عندما يراها لأحدٍ غيره!.. وإنّما عبوديته وإيمانه تقتضي-دائماً- الرضا والتسليم الكامل لكل أوامر اللهI وعطاياه ومواهبه.

      فمن الممكن لله أن يُعطِيَ بعض النِعَم لآخرين.. من الممكن أن يكون قد فضَّل البعض على بعضٍ آخر.. وهنا التفضيل ليس خلاف العدل.. وإنَّما بما له من استعدادات ومواهب وقابليات.. فكانت النتيجة ما له –(أي ما لهذا العبد)- يكون أكثر مما لغيره.

    ولهذا يأتي النص القرآني كما في سورة النساء/آية/32:-

       وَلاَ تَتَمَنَّوا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضَلِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمَاً

      إذن، المفروض أن لا تشكو من اللهI بأن أعطى للآخرين نِعَماً لم تصل إليك، أو ألطافاً لم تصل إليك.

المفروض أن ينظر العبد لما لديه هو من نِعَم الله!.. –(وإذا التفتَ إلى ما لديه من نِعَم، فهي لا تُعَدُّ ولا تُحصى)- وليس له أن ينظر إلى نِعَم الآخرين، وما فضَّل اللهI البعض على بعض، نتيجة ما لهم من استعدادات وقابليات وما لهم من سعي.. والله حتى في حالة صرفه شيئاً من نِعَمِهِ عن عبده.. فإِنَّه سيعوّضه بأفضل منه.. سيُعوّضه بنعمةٍ.. وسيُعوّضه بثوابٍ وأجرٍ، ولهذا وَرَدَ في الحديث القدسي أنَّ اللهI يقول:-

         عبدي المؤمن لا أصرفه في شيءٍ إلاَّ جعَلتُهُ خيراً له!.. فليرضَ بقضائي وليصبر على بلائي وليشكر نعمائي

         إذا كان بهذه الصورة من الرضا بقضاء اللهI وقَدَره، فيقول الحديث القدسي مخاطباً النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم):-

      اكتبُهُ يا محمَّد من الصِّدِّيقين عندي